(ومضات نورانية) ح 24،،،بقلم،،، محمد فؤاد أبوبطه

كتاب ( ومضات نورانية )
الحلقة( ٢٤ )                               

×   المسجد ... البناء والمضمون:
   عندما وصل النبى وصاحبه إلى قباء أسس مسجد قباء وعندما وصل المدينة بعد قباء بنى مسجده وشارك بنفسه فى بنائه وصحابته من المهاجرين والأنصار ، فكان المسجد أول بناء بناه النبى حيث نزل بقباء وحيثما استقر بالمدينة وكان مسجداً بسيطاً! لو أراد النبى أن ينفق المهاجرون والأنصار لجعله تحفة معمارية ما تأخر المسلمون عن ذلك قيد شعره! ولكن النبى بنى مسجده من مواد البناء المتاحة للجميع وقتها! رغم أنه مسجد النبى إلا أنه لم يشترط لبنائه أى شىء غريب ! كان المسجد مقر النبى الرسمى للقائه مع المسلمين والوفود القادمة من جزيرة العرب، كان المقر الأول لدولة الإسلام بالمدينة المنورة ،ودار العبادة والصلاة وسار أمر مسجد النبى على ذلك فى عهد خليفته أبوبكر وكذلك فى عهد أمير المؤمنين عمر مقراً لإدارة شئون الدولة! لم يزينوه رغم قدرتهم على ذلك! كأنهم يضعون قاعدة لبناء المساجد أن تكون بسيطة بساطة الحياة الإسلامية بعيدة عن تعقيدات دور العبادة لليهود والنصارى والمجوس والبوذيين !.
  فالانسان كفرد يمثل عنصر الاهتمام الأول فى حياة النبى وصاحبيه! فهل ينفق على تزيين المساجد ويترك المسلمين عرايا جوعى ؟!أم يكسو الجدران بالرخام والمرمر وأجساد المسلمين بلا كساء ؟! هل يشيد بناءً عظيماً ليتسول الإنسان أمامه كى يسد رمقة؟!.
  كان البناء بسيطاً والمضمون عظيماً! فمسجد بدون مسلمين يؤدون الشعائر فى اطمئنان ليس له معنى! ومسجد فخم والفقر ينتشر بين المسلمين تخلف فظيع مهما قيل بأنه بيت الله فى الأرض وعلينا تزيينه! فزينة بيت الله الحقيقية فى ازدحامه بعماره من المسلمين المؤمنين فجراً وظهراً وعصراً ومغرباً وعشاءً !لقد تنبه أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز الخليفة الأموى إلى هذا الأمر فأمر بجمع الثريات الذهبية المزينة بالمعادن النفيسة من المساجد وضمها إلى بيت المال للأنفاق على المسلمين! فكيف يذهب فقير مريض جائع ليصلى باطمئنان وراحة بال ؟! إن حرمة المسلم عند الله أعظم من حرمة الكعبة !ويتميز المسلمون بميزة رائعة حيث قال النبى "أعطيت خمساً لم يعطيهن نبي قبلى نصرت بالرعب مسيرة شهر ،وجعلت لى الأرض مسجداً وطهوراً فأيما رجل من أمتى أدركته الصلاة فليصل ،وأحلت لى الغنائم ولم تحل لأحد قبلى ،وأعطيت الشفاعة وكان النبى يبعث إلى قومه خاصةً وبعثت إلى الناس عامةً ".
   من مفارقات القدر أننا نعيش فى فقر مدقع ونرى المساجد على جانبى الطريق وكأنها بنيت عناداً بين الناس! ليقال هذا مسجد فلان وذاك مسجد علان! فأصبح المسلمون يعيشون فى تضارب فكرى رهيب! الرسول يقول أنا وكافل اليتيم كهاتين فى الجنة وأشار بأصبعيه الوسطى والسبابة فهل فى الجنة أفضل من جوار الرسول؟!.
   تتجلى عظمة الإسلام فى اهتمامه بالفرد قبل أى شىء ، حتى أن الله أباح المحرم للمضطر لينقذ حياته ويستمر! وقاد الرسول المسلمين لغزو يهود بنى قينقاع لأجل امرأة كشفوا عورتها ! فقط كشفوا سوأتها! لم يغتصبوها! لم يحرقوها! لم يجردوها من ملابسها لتقف عارية كما ولدتها أمها! لم يرغموها على ممارسة الرذيلة مع رجل آخر! فقط كشفوا سوأتها بالحيلة ! إنه الاسلام .. الفرد أولاً ! فكيف يصلى المسلم وهو يتضور جوعا ؟!أو عارى الجسد ؟! و بلا مأوى آدمي ؟!.
   نبنى المساجد ونبالغ فى الإنفاق على تشييدها ثم نغلقها بين الآذان والآخر! ولا تقام فيها صلاة الفجر وإن أقيمت لا يتم الصف الأول! حرمنا أنفسنا من ميزة أعطيت للنبى وأمته أن جعلت له ولنا الأرض مسجداً و طهوراً!.
  يكتشف المتأمل فى حركة بناء المساجد فى الإسلام شيئاً غريباً! فالاهتمام ببناء المساجد يتم فى عصور الظلم والاستبداد والفساد! وكأن الناس يريدون أن يعلنوا عن إيمانهم غير الموجود ببناء المساجد ،والإنفاق عليها ببذخ ليقنعوا أنفسهم أنهم يفعلون الخير! كيف تشيد مسجداً فخماً فى قرية أو حى ومعظم سكانه يعيشون تحت حد الفقر بلا مأوى آدمي؟! وجارك مريض ولا يجد العلاج لضيق ذات اليد ؟!.
  إن المسجد فى الإسلام مكان بسيط محدد بجدران وسقف ليحمى المصلين من حر الشمس وبرد الشتاء ولا يرضى الإسلام أن تشيد مسجداً وتترك المسلمين فقراء مرضى عرايا!.
  أما فى عصور العدل والاحسان يكون الاهتمام بالإنفاق على بناء الانسان والاهتمام بالفرد.
  إن كثرة المساجد ليس دليل إيمان! إنما ازدحام المساجد بالمصلين فى كل الفروض وليس صلاة الجمعة فقط وعدم وجود فقراء ومرضى وأرامل أمام باب المسجد هو الدليل العملي على الإيمان ! فمسجد بلا مؤمنين لا شىء! أما مؤمنون بلا مسجد فجيش يقهر الأمم !.

                        و إلي اللقاء في الحلقة ( ٢٥ )                                        
الكتاب : ومضات نورانية من حياة سيد البشرية
الكاتب : محمد فؤاد أبوبطه
الطبعة : الأولى 2009
رقم الإيداع : 7680 / 2009
الترقيم الدولى : 3– 6857– 17 – 977
 
طبع بدار أبوالفضل للطباعة
أبوشاهين – المحلة الكبرى
جميع الحقوق محفوظة للمؤلف

                                   1430هـ - 2009 م

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة